رحاب علي زكري  13 عامًا  من خانيونس.
طفلة كانت تحاول، مثل آلاف الأطفال، أن تجد في النزوح شيئًا يشبه الأمان.

كانت تلك الليلة تبدو عادية…
غرفة صغيرة يجتمع فيها إخوة مرهقون من الركض بين مناطق اللجوء، وقلوب تنتظر فجراً أبسط وأهدأ.
الساعة تشير إلى الثانية والنصف بعد منتصف الليل.
الصمت لا يُسمع فيه حتى أنفاس الخائفين.

وفجأة…
انفجر الليل.

تقول رحاب وهي تستعيد اللحظة بعينين ما زال فيهما أثر الحريق:
“ما سمعتش شيء… بس شفت نار كبيرة. الغرفة صارت حمرا كلها.”

كانت الصرخة الأولى داخل رأسها، قبل أن تخرج.
سقف الغرفة ينهار فوقهم، الغبار يخنق الهواء، والظلام يمتلئ بشظايا وصوت ارتطام لا يشبه شيئًا من الدنيا.
رحاب بقيت محاصرة تحت الركام، محاطة بالحجارة والدم والخوف…
تحاول أن تحرك يدها، فلا تستجيب.
تحاول أن ترى إخوتها، فلا تميّز إلا ظلالًا ترتجف.

وبينما كانت الساعة تمشي ببطء قاتل، كان الإسعاف يتأخر…
نصف ساعة كاملة مرّت كعمرٍ طويل.
حين وصلوا إليها، كانت تنزف من يدها، ومن قدمها، ومن رأسها.
وجّهها الأبيض مغطى بالغبار والدم، لكنه ما زال يحمل ملامح طفلة لم تفهم بعد لماذا تُقصف أماكن النوم.

بعد العلاج، وُضعت الغرز في يدها ورأسها، وجُبّرت قدمها.
ومع مرور شهر، تعافى الجسد…
لكن قلبها بقي يحمل ضجيج تلك الليلة.
الخوف الذي استيقظ فيها كان أكبر من عمرها، وأعمق من صوت الانفجار نفسه.

ومع ذلك…
لم تستسلم رحاب.

حين وصلت إلى انشطة مؤسسة نَفَس للتمكين، كانت ما تزال خائفة من أي صوت مفاجئ، وتميل للانعزال، وتبكي دون أن تعرف السبب.
لكن هناك… لعبت. ركضت. رسمت. تحدثت.
تعلّمت أن تُخرج الحكاية من صدرها دون خوف.
تعلّمت كيف تهدئ نبضها حين يعود صوت تلك الليلة في ذاكرتها.

تقول بابتسامة تشبه إصرار الناجين:
“شكراً لمؤسسة نَفَس للتمكين… لعبت وفرحت وتعلمت كيف أفرّغ وأتغلب على خوفي. شكراً للأخصائيين سهام ومحمد.”

رحاب ليست مجرد طفلة نجت من قصف.
هي صوت من خرج من النار وهو يحمل الحياة.
طفلة قالت للعالم  إن الأمل قد يولد حتى من تحت ركام البيوت.

من قلب الدمار… خرجت رحاب لتثبت أن الحياة أقوى من الحرب.